اسماعيل بن محمد القونوي

200

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( ويتجدد حينا بعد حين ) أي لو قيل اللّه مستهزىء بهم حتى تكون الجملة اسمية بكل من جزأيها لزم أن يكون استهزاء اللّه تعالى بهم ثابتا دائما وهو لا يليق بالحكيم العليم لأنه على هذا يخف عليهم لكونهم مألوفين ومتمرنين على مقاساته وهذا مراده ولا يخفى ما فيه وقد سبق البحث عليه وبالجملة إن خص الاستهزاء بما كان في الدنيا لكان لهذا الكلام وجه وبيانه فيما مر بوجوه أربعة آب عنه وفهم من بيانه أن استهزاء المنافقين بالمؤمنين ثابت دائما حيث اختاروا الجملة الاسمية التي كل واحد من جزأيها اسم وثبوت استهزائهم على الدوام محل تأمل بل كون استهزائهم حادثا حالا فحالا أظهر من كون استهزاء اللّه تعالى بهم حادثا حينا بعد حين على أن ما مر من أن دوام الاستهزاء يهين عليهم فتجدد استهزاء اللّه بهم حينا بعد حين وزمانا بعد زمان أشق واثقل عليهم من وروده على الدوام بلا فاضلة زمان بين أثنائه فهو في إفادة الاستمرار كما تقول فلان يقري الضيف ويحمي الحريم فإنك تريد به أنه اعتاده واستمر عليه لأنك تخبر عنه بأنه سيفعله فكذا أنه تعالى يخبر أن معاملته مع هؤلاء القوم إنما تقع على هذه الحالة وإليه أشار بقوله وهكذا نكايات اللّه فيهم قال صاحب الانتصاف على الاستمرار رجاء قوله تعالى : إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً [ ص 18 - 19 ] لما كان التسبيح من الوظائف المتكررة أتى فيه بالقول وحشر الطير أمر دائم فذكر فيه اسم المفعول قال الإمام الرازي لو قال اللّه مستهزىء بهم حتى تكون الجملة اسمية لزم أن يكون استهزاء اللّه ثابتا دائما ولا يليق بالحكيم العليم وإن قال يستهزئ اللّه بهم دل على أن الاستهزاء ينتقل عنهم وهو ليس بمراد فقال اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ [ البقرة : 15 ] بهم حتى يفيد تجدد الاستهزاء بحسب الفعل وإن ذلك التجدد ثابت دائما بحسب الجملة الاسمية فالاستهزاء بالمنافقين يتجدد من اللّه دائما وهذا لا يتم لأن المسند إن كان اسما دل على الثبوت وإن كان فعلا دل على التجدد سواء تقدم المسند إليه أو تأخر كقولك زيد علم أو يعلم هكذا صرح أئمة المعاني قال أكمل الدين في قول الرازي نظر أما أولا فلأن قوله لزم أن يكون استهزاء اللّه ثابتا دائما مسلم وقوله وهو لا يليق بالحكيم العليم ممنوع فإن المراد به انزال الهوان والحقارة بالمنافقين وهو اللائق بالحكيم العليم وأما ثانيا فلأن قوله وهو ليس بمراد غير مفيد لأن كونه غير مراد إنما علم بعد التعبير بالعبارة المذكورة ولو عبر بقوله يستهزئ اللّه بهم لعلم أن المراد الانتقال وأما ثالثا فلأن قوله وهذا لا يتم ليس بصحيح فإن علماء المعاني مطبقون على أن الخبر إذا كان فعلا مضارعا كما في المثال المشهور عندهم وهو الخطيب يشرب ويطرب أفاد الاستمرار حالا فحالا ووقتا فوقتا أقول يمكن أن يجاب عن الأول بأن مراد الإمام بقوله وهو لا يليق بالحكيم العليم أن استهزاء اللّه بهم على الدوام بحيث لا يتخلل بين أثنائه زمان لا يليق به لأن مقتضى حكمة اللّه تعالى وعلمه أن لا يديم إنزال الهوان والنكال عليهم دائما حتى يألفوه ويعتادوا به اعتيادا زال معه تأذيهم به اللائق بحكمته وعلمه بحالهم أن ينزل الهوان عليهم زمانا بعد زمان وحالا بعد حال حتى يشتد عليهم أثر ذلك ويتأذوا به وعن الثاني بأن مقصود الرازي أنه اختير اللّه يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [ البقرة : 15 ] على يستهزئ اللّه بهم تحرزا عن إفادة الكلام ما ليس بمراد فإن العبارة الثانية تفيد الانتقال وهو ليس بمراد ففي أداء هذا المعنى بقوله وإن قال يستهزئ اللّه بهم دل على كذا وهو ليس بمراد نوع مسامحة والمسامحات ربما يرتكب فيها بناء على ظهور المراد منها وعن الثالث لأن من علماء المعاني من صرح بأن لا فرق بين زيد يعلم ويعلم زيد في إفادة التجدد دون الاستمرار غايته أن الإمام بنى قوله هذا على ذلك المذهب .